محمد متولي الشعراوي
9184
تفسير الشعراوي
ومعلوم أن الجهات ست ، يأتي منها الشيطان إلا فوق وتحت ؛ لأنهما مرتبطتان بعزِّ الألوهية من أعلى ، وذُلّ العبودية من أسفل ، حين يرفع العبد يديه لله ضارعاً وحين يخِرُّ لله ساجداً ؛ لذلك أُغلِقَتْ دونه هاتان الجهتان ؛ لأنهما جهتا طاعة وعبادة وهو لا يعمل إلا في الغفلة ينتهزها من الإنسان . والمتأمل في مسألة الشيطان يجد أن هذه المعركة وهذا الصراع ليس بين الشيطان وربه تبارك وتعالى ، بل بين الشيطان والإنسان ؛ لأنه حين قال لربه تعالى : { فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ ص : 82 ] التزم الأدب مع الله . فالغواية ليست مهارة مني ، ولكن إغويهم بعزتك عن خَلْقك ، وترْكِكَ لهم الخيارَ ليؤمن مَنْ يؤمن ، ويكفر مَنْ يكفر ، هذه هي النافذة التي أنفذ منها إليهم ، بدليل أنه لا سلطانَ لي على أهلك وأوليائك الذين تستخلصهم وتصطفيهم : { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } [ ص : 83 ] . وهنا أيضاً يثار سؤال : إذا كان الشيطان لا يقعد إلا على الصراط المستقيم لِيُضلَّ أهله ، فلماذا يتعرَّض للكافر ؟ نقول : لأن الكافر بطبعه وفطرته يميل إلى الإيمان وإلى الصراط المستقيم ، وها هو الكون يآياته أمامه يتأمله ، فربما قاده التأمل في كَوْن الله إلى الإيمان بالله ؛ لذلك يقعد له الشيطان على هذا المسلْك مسلْك الفكر والتأمل لِيحُول بينه وبين الإيمان بالخالق عَزَّ وَجَلَّ . فالشيطان ينزغك ، إما ليحرك فيك شهوة ، أو ليُنسِيك طاعة ، كما قال تعالى : { وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان } [ الكهف : 63 ] .